مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
34
محمد ( ص ) في مكة
ولكن النظام العشائرى لم يكن هو التشكيل الوحيد الذي حفظ الأمن في مكة ( الأمن بمعناه الشكلى أو الظاهري ) ، فقد كانت هناك أيضا شبكة التحالفات المالية الصارمة التي اخترقت حتى روابط الدم ( العشائرية ) وتغلبت عليها ، لقد قدم لنا ( وات ) جداول بعضها مفصل بالتحالفات المالية ، وخلص - عن حق - بأنها فاقت أحيانا التحالفات العشائرية ، ولعل أبا لهب عم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أوضح مثال على ذلك ، فما كان ليؤذى ابن أخيه هذا الايذاء الا لتحالف مالي ، ومصاهرة مع عشيرة قوية مناوئة ، ونترك جداول وات تتكلم فليس من واجبنا نقلها في هذه المقدمة مرة أخرى . وفي ظل التحالفات المالية الكبيرة يتعمق الأمن بمفهومه الشكلى ، فمن الذي يرفع رأسه أمام هذا الغول القادر على قطع مصدر رزقه ، والقادر - بماله - على عزله واهانته والتقليل من شأنه . والمال يساعد على شراء الرجال وحبك المؤامرات . . الخ . ورغم أن ( وات ) ليس شيوعيا كما ألمح هو في كتابه ، الا أنه يستطرد قائلا انه في ظل هذه التحالفات المالية ينتفى ( الشرف ) بمعناه العربي الأصيل ، ويضيع معنى ( العيب ) ولم يكن يهم هؤلاء الأثرياء المكيون كثيرا أن يوصفوا بأنه لا شرف لديهم ، فقد كانوا قادرين - عند الضرورة - على شراء الصمت أو المديح ، وتحولت قيم الكرم العربية الحقيقية على أيديهم إلى مجرد تظاهر . يقول وات اعتمادا على روايات عن أبي جهل ، انه لم يكن يضرب الا المسلمين الضعفاء الكائنة أوضاعهم خارج النظام العشائرى ، وبذلك - فيما يقول وات - تصرف بما لا تقتضيه قواعد ( المروءة ) أو ( المروة ) العربية ، واعتبر وات هذا أمرا طبيعيا ، لأن التحالفات المالية لا تهتم بالضعيف ولا تسعى الا إلى القوى . . انه مجتمع الجبناء الذي يحتاج إلى رقابة من مؤسسات أخرى ، تأخذ منه ( الحق ) المعلوم ، للسائل والمحروم ، ومؤسسات أخرى تراقب ( الكيد ) الذي يدبره ، وهو تعبير لا يخرج عن كونه في هذا السياق ، المضاربة ضد مصالح المجموع ، . . لذلك تعرض وات كثيرا في دراسته هذه إلى أن الاسلام في جانب منه كان دينا يدعو لمصالح المجموع ، ويدافع عن ( المستضعفين ) وأفرد لمفهوم المستضعفين هؤلاء صفحات طوالا .